ابن قيم الجوزية

129

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

فتوبته مدخولة . وفي بعض الآثار « أوحى اللّه تعالى إلى نبي من الأنبياء : قل لفلان الزاهد : أما زهدك في الدنيا : فقد تعجّلت به الراحة ، وأما انقطاعك إليّ : فقد اكتسبت به العزة ، ولكن ما عملت فيما لي عليك ؟ قال : يا رب ، وما لك عليّ بعد هذا ؟ قال : هل واليت فيّ وليّا ، أو عاديت فيّ عدوا ؟ » . يعني أن الراحة والعز حظك ، وقد نلتهما بالزهد والعبادة . ولكن أين القيام بحقي . وهو الموالاة فيّ والمعاداة فيّ ؟ . فالشأن في التفريق في الأوامر بين حظك وحق ربك علما وحالا . وكثير من الصادقين قد يلتبس عليهم حال نفوسهم في ذلك . ولا يميزه إلا أولو البصائر منهم . وهم في الصادقين كالصادقين في الناس . وأما نسيان الجناية : فهذا موضع تفصيل . فقد اختلف فيه أرباب الطريق . فمنهم : من رأى الاشتغال عن ذكر الذنب والإعراض عنه صفحا ، فصفاء الوقت مع اللّه تعالى أولى بالتائب وأنفع له . ولهذا قيل : ذكر الجفا في وقت الصفا جفا . ومنهم : من رأى أن الأولى أن لا ينسى ذنبه ، بل لا يزال جاعلا له نصب عينيه يلاحظه كل وقت . فيحدث له ذلك انكسارا وذلا وخضوعا ، أنفع له من جمعيته وصفاء وقته . قالوا : ولهذا نقش داود الخطيئة في كفّه . وكان ينظر إليها ويبكي . قالوا : ومتى تهت عن الطريق فارجع إلى ذنبك تجد الطريق . ومعنى ذلك : أنك إذا رجعت إلى ذنبك انكسرت وذللت . وأطرقت بين يدي اللّه عزّ وجلّ ، خاشعا ذليلا خائفا . وهذه طريق العبودية . والصواب : التفصيل في هذه المسألة . وهو أن يقال : إذا أحسّ العبد من نفسه حال الصفاء غيما من الدعوى ، ورقيقة من العجب ونسيان المنّة ، وخطفته نفسه عن حقيقة فقره ونقصه ، فذكر الذنب أنفع له ، وإن كان في حال مشاهدته منّة اللّه عليه ، وكمال افتقاره إليه ، وفنائه به ، وعدم استغنائه عنه في ذرة من ذراته ، وقد خالط قلبه حال المحبة ، والفرح باللّه . والأنس به ، والشوق إلى لقائه ، وشهود سعة رحمته وحلمه وعفوه ، وقد أشرقت على قلبه أنوار الأسماء والصفات . فنسيان الجناية والإعراض عن الذنب : أولى به وأنفع ، فإنه متى رجع إلى ذكر الجناية توارى عنه ذلك . ونزل من علو إلى أسفل ، ومن حال إلى حال ، بينهما من التفاوت أبعد مما بين السماء والأرض . وهذا من حسد الشيطان له ، أراد أن يحطه عن مقامه ، وسير قلبه في ميادين المعرفة والمحبة ، والشوق : إلى وحشة الإساءة ، وحصر الجناية . والأول يكون شهوده لجنايته منّة من اللّه ، منّ بها عليه ، ليؤمنه بها من مقت الدعوى . وحجاب الكبر الخفي الذي لا يشعر به . فهذا لون وهذا لون . وهذا المحل فيه أمر وراء العبارة ، وباللّه التوفيق . وهو المستعان . وأما التوبة من التوبة : فهي من المجملات التي يراد بها حق وباطل . ويكون مراد المتكلم بها حقا . فيطلقه من غير تمييز . فإن التوبة من أعظم الحسنات ، والتوبة من الحسنات من أعظم السيئات ، وأقبح الجنايات